ابن قيم الجوزية

130

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

والحيوان . فأدرك المؤمنون ذلك منه ، وعلموا ما يحصل لهم به من الحياة التي لا خطر لها . فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلاث ، التي حذر اللّه بها من خالف أمره . وأخبر أنه منزلها على من كذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة ، كجهاد الأعداء والصبر على الأمر ، أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي على خلاف أهوائها ، فهي كالظلمات والرعد والبرق . ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق . بل يستأنس بذلك ويفرح به ، لما يرجو من ورائه من الحياة والخصب . وأما المنافق فإنه قد عمي قلبه ، ولم يجاوز بصره الظلمة ، ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر ، ووعدا عظيما وظلمة ، فاستوحش من ذلك وخاف منه . فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد ، وهاله مشاهدة ذلك البرق ، وشدة لمعانه ، وعظم نوره . فهو خائف أن يختطف بصره . لأن بصره أضعف من أن يثبت معه . فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف ، ويرى ذلك البرق الخاطف . فإن أضاء له ما بين يديه مشي في ضوئه . وإن فقد الضوء قام متحيرا ، لا يدري أين يذهب ، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات ، وحياته هو في نفسه ، بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة ، ولا شعور له بما وراء ذلك . فالوحشة لازمة له . والرعب والفزع لا يفارقانه ، وأما من أنس بالصيب ، وعلم ما يحصل به من الخير والحياة والنفع ، وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم ، فإنه يستأنس بذلك ، ولا يستوحش منه ، ولا يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب . فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليحيي به القلوب والوجود أجمع ، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء ،